لن أتزوج و كفى ..هكذا رفضت العريس السادس متعللة بالمرض .. و ركضت إلى غرفتها .. و أغلقت الضوء غارقة فيه مختبئة من مشاعرها ..أو ربما تغرق أكثر فيها .. و إذا بالضوء يشتعل في رأسها و قلبها .. تفكّر متسائلة .. لم ترفض كل من يأتي طالبا يدها .. هل حقا مقتنعة بسببها المُعلن .. أم هناك سبب خفيّ تخبئه في لاوعيها .. مرضها سببها الأول ليس بالمرض السهل فالفصام مرض نفسي قاتل يمْتصّ كل جلدها .. يطاردها في كل مكان .. كمحب يرفض كلمة لا .. ويتربص بحبيبته ترفضه .. يعاكسها في غرفتها .. في المطبخ في الصالة .. يقتحم حتى الحمام فتغلق الضوء عنادا لتختبيء من عينيه! ..و كلما رفضته إزداد شراسة .. و احتضنها مدّعيا حنانا زائفا يصبغه بلمحات فرح حمقاء ترتدي وداعة مزيّفة .. كيف ..كيف مع هذه المطارده الدائمة تنشيء عائلة, و كيف تهدي مرضها إلى عريسها بدلا من أن تهديه فرحاً و حباً.. عريسها الذي لا يعلم شيء عن مرضها .. هل تخبره .. هل تُلْقي على كاهله ألمها و حزنها و همّها .. هل تجعله يراجع بها إلى الطبيب..أم تذهب خِلْسة إليه مع والديها .. أم المفروض أن تكون شفافة و صادقة و تخْبره عن هذه المطاردة اللامرغوبة و كيف ياترى سيدافع عنها أمام هذا المهاجم الذي يرتدي قناع اللطف .. قادما بأسلحته المخيفة يريد إنتزاع قلبها بعد أن يفسد عقلها .. لن تخْبره .. بلى ستخبره .. لا .. بلى .. يا إلهي كيف تخبيء مرضا كهذا عنه .. إنه أكثر وضوحا شمس في وضح النهار .. أيتها الشمس متى تغربين ؟! أحرقتِ روحي وروح كل من يقترب و يفكّر أن يكون معي حتى أصبحت أخشى أن يتحول كل من حولي إلى رماد .. مسحت دموعها و راقبت خيالها المظلم في المرآه .. لا يستحق هذا الوجه عيون المرايا .. إنه يستحق عيناه .. عيناه .. ترى كيف هما .. لماذا ترسم على رجل خياليّ كل أحلامها .. و لم العريس الأخير يأسرها و تتوجه بوصلة أفكارها نحوه .. أهي قوته الروحيه تجذبها إليه .. أم هي الوحدة (مرّرَت) قلبها و جعلته يرتمي على حضن ما .. وجاء حضنه في لحظة إحتياج جارف لإحتواء .. في لحظة ضعف .. فانهالت أحاسيسها عليه .. ترى ما اسمه .. رددته أمامها أمها .. لا يهم .. ستعرفه لن يكون في اليومين القادمين شاغل يشغل أمها سوى ترنيم إسمه أمامها و ذكر محاسنه كالأبطال الفاتحين ..و سرد حكاياه و أخباره كأنه ملك دوله (قدم صاحب السمو حاملا معه الهدايا لأميرته المبجّله سائلا عن أحوالها و سائلا عن إحتياجاتها عارضا خدماته لتنفيذ طلباتها ... ) و إن لم تجد أخبارا بطوليه عنه لاخترعت و نسجت ألف قصة و قصة ..آه يا أماه كم أنا متعبه حد الأرق و لا أريد أميرا بل مجرد ساع لبريد حمل رسائلي طويلا و أغلق عليها أدراجه بعناية بعد أن قبلها قبلة لتنام !!.. إنها تتساءل أحيانا .. هل تريد أمها التخلّص منها لأيّ عريس يأتي هاشا باشا حاملا الهدايا و الورود .. يالطيبة أمها .. ترى هل تحمل بداخلها قلب أمها . . أم أنها لم ترث هذا الجمال الروحيّ و ورثت قلب والدها الصارم رغم طيبته .. حملت ملابسها و سارت إلى الحمام ضاحكة .. هكذا ينقلها المرض من الحزن المدقع إلى الفرح الهستيريّ .. و لا يهدئها سوى (دوش) دافيء يغسل ما علق بروحها من غبار الألم , و هل من ملمس أجمل من الماء على الجسد.. إنها دائما ما ترضي نفسها باهتمامها بذاتها ترتب شكلها و ما حولها فكل شيء تلمسه يتحول إلى جنّه! غرفتها تنبثق منها أنوثة فتاة متلحّفة بسنواتها العشرين مع رقة طفولية بألوان زاهية .. في ركن الغرفة يقبع مكتبها عليه كمبيوترها مستقرا كملك يوناني على عرشه .. حوله حاشيته من كيبورد .. و فأرة , و سماعات منتظرين أوامرها هم أيضا لينفذها ملكها بكل سرور .. فتبحث و تكتب في فضاء النت , إنه نافذتها إلى العالم الآخر الذي لا يسعها عيشه .. فعاشت غفتراضيا و جمّعت آلاف الأصدقاء .. فالحياة بالنسبة لها دون هذه النافذة السحرية قاتمة خانقة قاتلة فوحدتها التي فرضتها على ذاتها بل فرضها عليها مرضها الذي ينخرها في التجمّعات البشريّة فتنسحب مفضلة الوحدة و الانعزال .. خلف الشاشة ظهرت شجاعتها و بهدوء دخلت عالمه و أدخلته عالمها أحبته و أحبها ذلك الرجل الذي كلما شعرت بالحزن ارتمت بين أحضان كلماته , مستكينة تحت طبطباتها .. ماسحة دموعها بمناديلها .. في البدء لم تفكر أنه سيقتحم قلبها بهذا العنف و ظلّ نائما في ماسنجرها أسابيع عديدة صامتا كصمت القبور .. ثم تفتّق بلون أخضر .. و اخضرّت معه حياتها .. و بعد أحاديث طويلة بعد أيام ليست بالقليلة فجأة طلب يدها .. هاهي في حيرة من أمرها تفكر كيف تُخبر والدتها عنه.. عن حب مرفوض .. كيف تطرح الأمر عليها .. و أين وجه المقارنه بين حب قادم من النافذة .. و حب قادم من الباب.. فكّرت بالنسيان لكن الحنين يذبحها ذهابا إليه .. فكثيرا ما انتشلها من غرقها و أوصلها إلى برّ الأمان .. و تشعر بلهيب العرفان يقتحمها و تفكّر كيف تشكره و تودّعه في ذات الوقت .. أعليها ان تودّعه .. أم تحارب من أجله و تعتبره حبا حقيقياً .. أين رفضها لحب الإنترنت .. أين إغلاقها لقلبها أمام أعاصير الحب و العلاقات الطائشة .. تشعر برفضها يتلاشى مع رغبتها في إسعاده و إهدائه حبا مقابل حب .. أم أن شعورها هذا الذي بداخلها مجرّد شعور بالعرفان فقط .. ترى هل كان قلبه الشرنقة التي قضت فيها حضانتها و خرجت ممزّقة قلبه .. بعد اكتمال نموها بداخله .. لترتمي بين ذراعيّ رجل آخر غيره .. أُختير لها .. اليس هذا ظلم أين الإنصاف الذي تفاخر به دائما .. يالقسوتها و قسوة الحياة .. إنها تجعل منها قاتلة و تجعل منه مقتول .. و هذا لا يرضيها .. ستحارب من أجله هكذا قررت .. خرجت من حمامها مع أفكارها و جسدها المبللين ملتفة ( بروب حمامها ) تستقي منه دفئا آخر مزعوم .. و جلست أمام شاشتها تنظر هل حضر .. لطالما وجدته كلما صنع الحزن من قلبها و ليمة و شرع في أكله ببطء متلذذ .. و لم تجده غريب .. هل إختفاؤه مدبّر .. هل يعطيها فرصة لتفكّر في طلبه .. أم أنه سحب كلامه و غيّر رأيه و سيتركها لهواجسها حتى تنساه .. هل تستطيع نسيانُه.. شعرت بالألم فأغلقت الكمبيوتر .. و سارت كالمسحورة إلى أمها .. هل عدم تواجده أخافها و جعلها تندفع لتضمن تواجده الدائم حولها .. كيف تخبر أمها؟ سارت و الفكرة تتبلور في رأسها ستخبر أمها بحبها (الإنترنتيّ) .. سارت و الخوف يغزو قلبها قليلا و شجاعتها تغْلبه ..و إصرارها كان قويا .. أقوى من التراجع .. وجدت أمها تشاهد التلفاز .. فوقفت أمامه و فاجأتها نوبة ضحك رغم جديتها كانت تضحك .. تباً .. و أخذت تتقافز و تحرك يديها أمام الشاشة .. لطالما إسترعت الإنتباه و الأنظار بخفة دمها قبل مرضها دائما و بعد مرضها أحيانا .. لربما خفف إستهبالها وقع ما ستقوله لأمها .. و ألقت قنبلتها إستفتاحية حرب : - أمي إنني أحب ههههههه قالت أمها و هي تشرئب برأسها يمينا لترى الشاشة محركة يدها و كأنها تزيح الهواء من أمامها مطالبة منها أن تبتعد: - لا تبدئي سخافاتك و ابتعدي عن الشاشة. هنا اعتدلت (منى) واقفة و تبدلت ملامحها و بدت عليها الجديّة و أردفت: - أمي إنني أتحدّث بجديّة .. إنني أحب.. سرقت إهتمام أمها أخيرا فتركت متابعة البرنامج و أغلقت التلفاز .. ونظرت إليها محرّكة رأسها بمعنى إقتربي رابتة على الكنبة بقربها قائلة: -تعالي قربي و حدّثيني.. سارت نحوها وجلست قربها و أخذت تحكي لها تمتلئ حنانا وحب يضفيه ذكره على روحها و رغبة في مساندة أمها لها حكت لها كل شيء حبها له و إحتواءه لها بقلبه و صنعة أرجوحة بروحه لها و كيف اعارها عينيه للبكاء , كيف صادر الألم الذي إعتراها بعيدا عن روحها و اورد لروحها ارتياح و هدوء و حب و انسجام .. إستمعت إليها أمها بإنصات غُلّف بدهشة ظهرت بشكل صمت مريب لم تنتبه إليه (منى) و هي في فورة مشاعرها تحكي عن حبها المزخرف بأماني لقاء كوني الجمال .. و أمها تفكر كيف أن ابنتها العاقلة تتحول إلى مراهقة ساذجة و تحب بهذا الأسلوب .. انتهت (منى) من الحديث و اتسعت عيناها بأمل تنظر إلى أمها.. هنا انتهى الصمت الذي نبت على شفاه الأم و تكسّرت فروعه بإلقاء الحكم فورا و دون مناقشة على غير عادتها - زفافك يا حبيبتي سيتقرر قريبا .. فانهي مشاعرك نحوه - لكن ..أمي.. - عزيزتي صندوقك السحريّ سيتحول إلى بؤرة بركان إن تزوجت منه لن يسمح لك بالدخول إلى عالمك السحريّ هذا أولا أما ثانيا ما أدراك أنه صادق في طلبه لربما كان مجرد شخص يلهو بمشاعرك و ليس لديه طموح سوى الوصول إليك بشكل غير شريف لذا انتهي من هذه الألاعيب الصبيانيه و استعدي لزفافك.. انفجرت في وجه أمها و هذا مالم تفعله من قبل .. ترى هل هذه مرحلة جديدة في مرضها النزق ..صرخت قائلة: - كلا إنني أحبه .. و سأتزوجه .. فليذهب عريسكم إلى.. ألى الجحيم.. إنني لا أريده.. أقبل والدها على صراخها مستنكرا و أمها تكبت غضبا فـ ( نفحت ) بيدها في الهواء و انسلّت إلى غرفتها و أغلقت الباب بقوة و ارتمت على سريرها تبكي .. هل قرارها بالحرب جاء في غير وقته عند حضور عريس (لقطة) أهذا وقت جيد لتدخل في حرب شعواء غير متكافئة أضرمت فتيلها دون أن تكون مستعده لها .. لكن لن تتراجع إستوت على سريرها جالسة ضامة ساقيها بذراعيها و فكّرت لا سبيل للتراجع لقد بدأت حربها و ستنهيها و تحرص على الفوز في النهاية .. و هاهي بوادر و نتائج حربها .. طرق على الباب .. إنه والدها .. و أول خسائرها نزول كمبيوترها عن عرشه و إقصائه إلى منفى بعيد عنها.. ماذا تفعل الآن فكرت كيف تتواصل معه كيف تحدّثه عن نتائج حربها كيف يساندها كما يفعل دائما ؟ هل ستخوض حربهما لوحدها.. و تحدد العرس بسرعة بعد خطبة رفضت نظرتها .. و لم يمانع العريس كانت تخلق لأمها الأعذار و كانت أمها صبورة معها .. و كانت هي تذوي حزناً .. لا فرح يجتاحها لا أمل ..لا سعادة .. لا حب .. و مرضها النفسي يستفحل في قلبها قروح لا تجد لها دواء حتى دواءها لم يعد يجدي ترى إذا بلعت جميع مافي حوزتها من دوائها زبريكسا ماذا سيحدث هل ستموت بسرعة كافية دون أن يسرع أحدهم لنجدتها و تقابل نظرات الإستنكار إن نجت, أخذت تلعب بعلبة الدواء و الفكرة تراودها بجنون ملحّ .. و منعتها صلاتها فأعادت العلبة في الدرج.. و ظل حزنها و إكتئابها يزداد , و رفضها لما حولها يكبر , إنعزلت و تكومت على ذاتها و تقوقعت , و مع ذلك إزدادت عصبيتها , و لم تعد تستطيع إخفاءها , حتى أمها خشيت أن يلاحظ أهل العريس مرض إبنتها الذي كانت تخفيه عنهم ! حتى أنها فكرت في الرضوخ و التراجع و تلبية طلبات إبنتها , لكن والدها لم يكن يرضى لها عريسا بديل, فاستمرّت إجراءات الزفاف كما أراد . هاهو اليوم الموعود و هاهو يوم الزفاف .. و (منى ) زهرة ذاوية على غير المفترض لعروس تبدأ حياتها .. و حان وقت مواجهة العريس وجها لوجه لوحدها معه ..و قررت في لحظة جنون , أو ليست مجنونة باعتراف الطب , ولو لم يعترف من حولها بجنونها , ستخبره , أنها لا تحبه و أن قلبها ملك لغيره , دخلت عليه بفستانها الأنيق و مكياجها الجميل و وجها الذي رغم تقاطيعه الجميلة ورغم إحتدام صراعاتها بداخلها إلا أنه ظل هاديء يبعث على الراحة رغم الأعاصير بداخلها , نظر إليها إلتقت عيناهما لحظة قبل أن تخفضها , عصرت يديها في بعضهما ’ و لم تعد أصابعها تطقطق بعد أن استنزفت كل طرقعاتها , أخذت تراجع نفسها ما هذه الحماقة لماذا تخبره عن الحقيقة الآن , لم هي متهوره إلى هذا الحد و لماذا في هذه اللحظة تقوم بشنق فرحته و تشنق نفسها أمامه .. بكت و لم تهتم بمكياجها .. فجأة وجدته يقف بجانبها يمسح دموعها بحنوّ , ياللعجب تشعر به قريب تريد أن تبثه لواعج قلبها لَمْ تشعر به غريب تقابله بحذر وجهه مألوف بشكل ما , ضاقت عيناها تنظر إليه بينما حنان يغمر قلبها من إلتماع إبتسامته , فشهقت و هي تحاول إبتلاع إعترافها المسموم.. لكنها قررت و مصممة رغم خساراتها في حروبها إلا أنها لن تكف عن المحاولة.. - حمقاء لم تعرفيني إلى الآن.. هكذا غازلها أي عريس يقول لعروسه حمقاء أكمل حديثه ربما هو الكحل في عينيكِ .. ألا تعرفين وجهي من أنا ظننتك حفظتِ ملامح وجهي و إذا بك نسيتها إنه أنا (يوسف) حبيبك أوَ لست كذلك .. عرفت عنك كل شيء فجئتك لم أكن أحتاج لأكثر من إسمك لأجدك ربما فردة حذاء شيء صعب إن كنت السندريلا لكن إسمك فهذا شيء أسهل .. إتسعت عيناها و انسابت دمعة فارة من عيونها كيف لم تنتبه إلى إسمه وجهه , إحساسها نحوه .. أكملت بكاءها هذه المرة فرح به .. ستخبره ذات يوم عن ما كانت ستفعله من أجله ماذا لو لم يكن هو و أخبرت عريسها عن حبها لآخر أي مصيبة كانت ستحصل . قصتها معه شيء كالخيال .. صنع لها مفاجأة لا تحدث إلا في كتب الأساطير .. أيليق ان تحتظنه أم لا يليق .. - دعيني احتظنك هذا ما قاله هكذا كان دائما يعرفها فتركت نفسها بين ذراعيه و استكانت .. و زُفّت إليه فكان حبّهما قصّة سريّه لم تخبر أمها عنها و ماذا كان سيفعل والدها لو عرف .. علت ضحكاتها بقية اليوم و الأيام التي تلته و كانت سعيدة بزوجها سعيد بها .. فتساءلت أمها بتعجب عن السعادة التي غمرت إبنتها يوم زفافها رغم رفضها لعريسها , فعزتها إلى زوج إبنتها فقد كانت تشك أن زوج إبنتها سااااااحر .... تمّت

الاثنين, 23 شوال, 1430
زوج ساحر!!
ــــــــــــــ التوقيع ــــــــــــ
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












